
وجوب الحفاظ على هويّة الأمّة
- تاريخ 14 أكتوبر، 2025
تحت عنوان وجوب الحفاظ على هويّة الأمّة
ألقى فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمان العلوي، الأستاذ في جامعة الزيتونة وعضو مشيخة جامع الزيتونة المعمور، كلمةً علميّةً راقيةً ضمن فعاليات حفل افتتاح العام الدراسي 2026/2025، تناول فيها الهويّة الإسلاميّة في العالم المعاصر، ومجهودات المشيخة في الحفاظ عليها وسبل ترسيخها في نفوس الناشئة والشباب.
قال الحقّ سبحانه وتعالى:
[الحج: 78]
أيُّها الحفلُ الكريمُ المُبارك: إنَّ الحديثَ عن “الهُويّة” في الواقعِ المُعاصِر، ليس مِن قبيلِ التّرَفِ الفِكريِّ، أو الفراغِ الوَقْتِيِّ الذي يُقْضَى كيفما اِتَّفقَ؛ بل إنَّه أصبحَ مِنَ الأساسِيّاتِ التي ينبغِي أنْ يتوفَّرَ عليه جُهدُ النُخْبَةِ الواعيةِ المُثقَّفةِ مِنْ أبناءِ الأُمّةِ المُحمّديّةِ.
وذلك لأنّ الأُمَمَ لا تحيا بدونِ هُوِيّةٍ؛ إذ الهُويَّةُ بالنِّسبَةِ للأمّةِ بمثابةِ البَصْمَةِ التي تُميِّزُها عن غيرِها، وهي أيضًا: الثوابِتُ التي تتجدَّدُ، ولكنَّها لا تتغيَّر، ولا يُمكنُ لأمّةٍ تُريدُ لنفسِها البقاءَ والتميُّزَ أن تتخلَّى عن هُوِيَّتِها، فإذا حدثَ ذلك: فإنّ الأمّةَ فقدتْ اِسْتقلالَها وتميُّزَها، وأصبحتْ بِدُونِ مُحْتَوًى فِكْرِيٍّ، أو رصيدٍ حضاريٍّ، ومِن ثَمَّ تَتَفَكَّكُ أواصِرُ الوَلَاءِ بينَ أفرادِها، وتتلاشَى شَبَكَةُ العَلاقاتِ الاجتماعيَّةِ فيها.
والنّتيجةُ المُحتَّمَةُ: هي السُّقوطُ الحضاريُّ المُدوِّي؛ بل وتداعِي الأُمَمِ عليها كما تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، فتأكلُ خيرَها، وتغزُو فِكْرَها، وتَطْمِسُ مَعالِمَ وُجودِها، وتمحُو أَثَرَها من ذاكرةِ التاريخِ.
ولمَّا كانت “الهُويّةُ” بهذِه المَكانة، وهذا التأثيرِ في حياةِ الأُمَمِ، فقد أوْلَاها الإسلامُ اهتمامًا كبيرًا، شَمِلَ هذا الاهتمامُ: جوهرَ الهُوِيَّةِ، وكذلك مَظْهَرَها.
وفي إطارِ المُحافظةِ على هذِه الهُويّةِ – ظاهرًا وباطنًا، ولُبًّا وقِشْرَةً – قال النبي ﷺ فيما رواهُ البخاريُّ في صحيحِه من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه:
[رواه البخاري]
وروى أبو داود في سُنَنِهِ عن شدّادِ بنِ أوسٍ -رضي الله عنه- أنّ النبيَّ ﷺ قال:
[رواه أبو داود]
وعن عمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله عنه- أنّ النبي ﷺ قال:
[رواه البخاري]
فانظرُوا إلى مدَى حِرصِ الإسلامِ على هُويَّةِ الأمّةِ، وسِياجِها الدّاخِلِيِّ والخارِجِيِّ، سَواءً في المَظْهَرِ واللِّباسِ، أو الحَرَكَةِ والسُّلُوكِ، أو القَوْلِ والأدب.
ولقد أدركَ أعداءُ هذِه “الهُويّةَ” مدَى حِرْصِ الرّسُولِ الأكرمِ ﷺ على هُويَّةِ الأُمَّةِ وتميُّزِها، حتّى قالَ قائِلُهم:
[رواه مسلم]
فيا أيُّها الحُضورُ الكريم؛ إِنَّ “الهُوِيَّةَ” هِيَ وُجْهَةُ الإِنْسَانِ الَّتِي يُوَلِّيهَا وَجْهَهُ، وَإِنَّ هُوِيَّةَ الشَّبَابِ هِيَ الَّتِي تُحَدِّدُ اتِّجَاهَاتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ هُوِيَّتُهُ هِيَ: الإِسْلَامَ وعَقِيدَةَ الإِيمانَ، خَرَجَ شَبَابًا وَاعِيًا طَامِحًا إلى المعالي، حَامِلًا لِهُمُومِ أُمَّتِهِ، وإنْ كانتْ هُوِيَّتُهُ غَيْرَ الإِسْلَامِ: تَشَعَّبَتْ بِهِ الأهْواءُ في أَوْدِيَتِها.
ولذلِك؛ فإِنَّ “الهُوِيَّةَ الإِسْلَامِيَّةَ”: هِيَ ذَلِكَ الانْتِمَاءُ والوَلَاءُ إلى تَعَالِيمِ الإسلَامِ وشَرَائِعِهِ وشَعَائِرِهِ. وهي: تِلْكَ النَّزْعَةُ والمَيْلُ والغَيْرَةُ على كُلِّ ما هو مُحَمَّدِيٌّ. وهي: ذَلِكَ الشِّعَارُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ به المسلمُ عن غيره من أهلِ الأَرْضِ قاطِبةً. وهِيَ: الرِّبَاطُ الَّذِي يَرْبِطُ المُسْلِمَ بِرَبِّهِ الوَاحِدِ الأحدِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وبرسوله الخاتَمِ سيِّدنا مُحَمَّدٍ ﷺ.
وهي: تِلْكَ الصِّبْغَةُ الإسْلَامِيَّةُ الَّتِي تَصْطَبِغُ حَيَاةَ المُسْلِمِ وسُلُوكَهُ وخَطَرَاتِهِ وسَكَناتِهِ وكَلِمَاتِهِ:
[البقرة: 138]
وهذِهِ الصِّبْغَةُ الرَّبَّانِيَّةُ: هي الَّتِي يَعْتَزُّ بها المُسْلِمُ ويَفْتَخِرُ ويَصْدَحُ فِي العالَمِينَ قائِلًا:
دَعِيُّ القَوْمِ يَنْصُرُ مُدَّعِيــــهِ *** فَيُلْحِقَهُ بِذِي النَّسَبِ الصَّمِيمِ
وما كَرَمٌ ولَوْ شَرُفَتْ جُــدُودٌ *** ولكــنَّ التَّقِيَّ هو الكَرِيــمُ
فالهُوِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ: هِيَ تِلْكَ الْجَامِعَةُ الَّتِي تَجْمَعُ كُلَّ مُسْلِمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِإِخْوَانِهِ مَهْمَا اخْتَلَفَتْ بُلْدَانُهُمْ وَأَلْوَانُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ، مِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ -تَعَالَى-:
[الأنبياء: 92]
أَيُّهَا الأماجِدُ الأفاضِل؛ إنَّ من المَصَائِبِ العَظِيمَةِ الَّتِي تُصِيبُ شَبَابَنَا اليَوْمَ؛ فِقْدَانَهُمْ لِهُوِيَّتِهِمُ الإِسْلَامِيَّةِ، فَتَرَاهُمْ مُنْبَهِرِينَ بِحَضَارَةِ الغَرْبِ؛ سَاعِينَ لِلتَّشَبُّهِ به في جميعِ أحوالِه! وقَدْ حَذَّرَ رَسُولُنَا ﷺ من ذلكَ قائِلًا:
[رواه أبو داود]
أو: الاعْتِقَادِ أَنَّ التَّقَدُّمَ في اسْتِنَانِ سُنَّتِه! وكأَنَّهُمْ ما تَلَوْا يَوْمًا قَوْلَ اللَّهِ -تعالى-:
[النساء: 139]
أو: تجدَهم يخْجَلُونَ من كُلِّ مَا يَمُتُّ لِلدِّينِ بِصِلَةٍ؛ فيَسْتَحِي الواحدُ من أبناءِ أُمَّتِنا أنْ يُعْلِنَ بِشَيْءٍ من شَعَائِرِ دِينِهِ أو يُمَارِسَهَا أَمَامَ النَّاسِ، ظَانًّا أَنَّ هَذَا عَلَامَةُ الدُّونِيَّةِ ومَدْعَاةٌ لِلتَّهَكُّمِ!
فَهَذِهِ وغَيْرُهَا صُوَرٌ ومَظَاهِرُ على ضَيَاعِ الهُوِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ عِنْدَ الشَّبَابِ، أو على الأَقَلِّ اخْتِلَالُهَا وضَعْفُهَا.
فالفِكْرُ المَمْسُوخُ؛ يجْعلُ الشَّبَابَ فَرِيسَةً سَهْلَةً لِكُلِّ تَيَّارٍ فَاسِدٍ؛ يَجْرِفُهُمْ نَحْوَ الإِلْحَادِ، أو الشُّيُوعِيَّةِ، أو غَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقِ الضَّلَالِ والاِضْمِحْلالِ، وصَدَقَ القَائِلُ:
ولكن؛ فكما أنَّ لِفِقْدَانِ شبَابِنا لِهُوِيَّتِهِمُ أَسْبَابًا عَدِيدَةً، فكذلك لِغَرْسِ هذِه الهُوِيَّةِ فِي نُفُوسِهِم وَسَائِلُ كثيرةٌ، من أهمِّها على الإطلاق؛ هذه المُؤسّسَةُ التليدةُ العريقةُ، أعني: مُؤسَّسَةَ مشيخةِ جامع الزيتونةِ المعمور، وذلك ليس اعتباطًا، وإنّما لأُمورٍ أذكرُ مِن أَهَمِّها خَمْسَةَ أمورٍ:
أوّلًا:
زَرْعُ العَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الصّافيةِ في قُلُوبِهِمْ، وتَرْبِيَتُهُمْ عَلَيْهَا، خَاصَّةً عَقِيدَةَ الانتماءِ إلى الأُمّةِ المُحمَّديَّة، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي اللَّه عنه- أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال:
[رواه الطبراني]
ثانيًا:
بَثُّ رُوحِ الِاعْتِزَازِ بِالدِّينِ دَاخِلَهُمْ؛ من خِلَالِ تَرْبِيَتِهِمْ على أَحَقِيَّتِه، وأنَّ المُسْلِمِينَ هُم أهلُ الحقِّ والهُدَى. ولله درُّ القاضي عياضٍ اليحصبيّ -رحمه الله- حيث قال:
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ: يَا عِبَادِي *** وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا
ثالثًا:
رَبْطُهُمْ بِتَارِيخِ أُمَّتِهِمُ المَجِيدِ؛ فَهُمْ أَحْفَادُ: أبي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ -رضي اللَّه عنهم- فَهَؤُلَاءِ هُمُ العُظَمَاءُ بِحَقٍّ، وقُدُوَاتُهُمْ: خَالِدٌ، والمُثَنَّى، والقَعْقَاعُ، والبَرَاءُ بنُ مالِكٍ -رضي اللَّه عنهم-.
فالمُؤسَّسَةُ الزيتونيَّةُ رَابِطَةٌ لهُمْ بِالقُدُوَاتِ الصَّالِحَةِ؛ فيَصْلَحُوا، ويَكُونَ لِسَانُ حَالِهِمْ:
رابعًا:
تَعْلِيمُهُمُ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ الفُصْحَى؛ فَهِيَ حِصْنٌ مَنِيعٌ من حُصُونِ الهُوِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ؛ فَهِيَ لُغَةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ولُغَةُ دِينِ الإِسْلَامِ كُلِّهِ:
[فصلت: 3]
وإنَّ البُعْدَ عَنِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحَى هو – في حَقِيقَتِهِ – بُعْدٌ عن القُرْآنِ والسُّنَّةِ والتُّرَاثِ الإِسْلَامِيِّ كُلِّهِ، وكُلَّمَا ازْدَادَتْ غُرْبَةُ الشَّابِّ عَنْ لُغَتِهِ كُلَّمَا ضَعُفَتِ الهُوِيَّةُ فِي نَفْسِهِ أَوِ انْطَفَأَتْ.
خامسًا:
إِشْعَالُ حَمَاسَةِ الدَّعْوَةِ إلى الإِسْلَامِ في صُدُورِهِمْ؛ فَيَنْطِقُونَ بِمِثْلِ مَا نَطَقَ بِهِ سيِّدُنا رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ -رضي اللَّه عنه- مُوَاجِهًا رُسْتُمَ قائدَ جيشِ الفُرسِ:
[تاريخ الطبري]
ختامًا:
أيُّها الحفلُ الكريمُ المُبارك؛ إنْ قُمْنَا بالعنايةِ بـ المُؤسَّسَةِ الزيتونيَّةِ على الوَجْهِ الأَكْمَلِ – وهي أمانةٌ في أعناقِنا جميعًا –؛ فَندعمها معنويًا ومادّيًا:
معنويًا: بنشرِ فضائِلها وإذاعةِ اسمِها بينَ عُمومِ النّاس.
ومادّيًا: بالإنفاق عليها من كَرًائِمِ أموالِنا وأَطايِبِها، لا من مُجرَّدِ زكواتِنا وصدقاتِنا، وفواضِل أموالنا.
هُناك فقطْ حَمَيْنا أُمَّتَنا عُمومًا، وشبَابَنا خُصوصًا، وحَصَّنَّاهُمُ، اسْتَقَامَ لَنَا حَالُهُمْ، واسْتَوَى على الجَادَّةِ عُودُهُمْ، وصارُوا سَنَدًا لِأُمَّتِهِمْ ورِفْعَةً لِدِينِهِمْ، فسَعِدْنَا بِهِمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وإلَّا فُوجِئْنَا بِبَوَارِ الزَّرْعِ زَمَانَ حَصَادِهِ.
وأنْ يجعلَ من مشيخةِ جامعِ الزيتونةِ منارةً للعلمِ والدعوةِ والإصلاحِ في الأمَّةِ جمعاء.
