
فرحةُ التخرّج، وشرفُ حفظ القرآن، وبدايةُ عامٍ دراسيّ جديد…
- تاريخ 20 أكتوبر، 2026
مشيخة جامع الزيتونة يحتفي بالعلم والتفوّق وحفظة القرآن الكريم
في أجواء إيمانية مفعمة بالفرح والاعتزاز، نظّمت مشيخة جامع الزيتونة المعمور احتفالية بمناسبة افتتاح العام الدراسي 2026–2027، وتكريم الطلبة المتفوقين، وتسليم شهادات الأهلية والتحصيل للخريجين، إلى جانب الاحتفاء بنخبة من حفظة القرآن الكريم الذين أتمّوا حفظ كتاب الله بالسند المتصل.
وقد مثّلت هذه المناسبة محطة متميزة في مسيرة التعليم الزيتوني، التقت فيها فرحة النجاح والتخرج مع شرف حفظ القرآن الكريم، وتجدد فيها العهد مع العلم والمعرفة، في مشهد يعكس أصالة الرسالة العلمية والتربوية التي يحملها جامع الزيتونة المعمور.
وجمعت الاحتفالية بين التلاوة القرآنية، والكلمات العلمية والتوجيهية، وتكريم المتفوقين والخريجين، وفقرات الإنشاد الديني، في برنامج عبّر عن المكانة التي يحظى بها العلم وأهله، وعن الحرص على تشجيع الأجيال الجديدة على مواصلة التحصيل والتمسك بقيم المعرفة والاجتهاد.
افتتاح العام الدراسي 2026–2027: تجديد العهد مع العلم والمعرفة
شكّل افتتاح العام الدراسي 2026–2027 مناسبة لتجديد العزيمة على مواصلة طلب العلم الشرعي، وتعزيز الارتباط بالمعرفة الأصيلة التي شكّلت، على امتداد القرون، إحدى أبرز دعائم الإشعاع العلمي والحضاري لجامع الزيتونة المعمور.
فلم يكن هذا اللقاء مجرد احتفال ببداية سنة دراسية جديدة، بل كان فرصة للاحتفاء بثمار الجهود المبذولة خلال المسيرة التعليمية، وتقدير ما حققه الطلبة من نجاحات، وما قدّمه المشايخ والأساتذة من تأطير وتوجيه في سبيل نشر العلوم الشرعية وترسيخ القيم الإسلامية.
كما حملت المناسبة رسالة تشجيع للطلبة المقبلين على مرحلة جديدة من التعلم، ودعوة إلى استثمار العام الدراسي في التحصيل والمطالعة والمثابرة، واستحضار المسؤولية التي يتحملها طالب العلم في الجمع بين المعرفة النافعة والأخلاق الفاضلة.
وتبرز أهمية مثل هذه اللقاءات في كونها تجمع بين الأجيال، وتتيح للطلبة الجدد الاقتداء بزملائهم المتفوقين والخريجين، وتؤكد أن النجاح العلمي ثمرة مسيرة متواصلة من الصبر والاجتهاد والالتزام.
افتتاح قرآني مبارك.. تلاوة خاشعة من أواخر سورة الزمر
استُهلّت فقرات الحفل بآيات بيّنات من أواخر سورة الزمر، تلاها الشيخ العربي الكثيري بصوته الهادئ وأدائه المتميّز، مستحضراً الطبوع التونسية التقليدية في تلاوة القرآن الكريم، بما تحمله من أصالة وجمال في الأداء، وما تعكسه من عناية بالتراث القرآني التونسي والمحافظة على خصوصياته الفنية والروحية.
وقد أضفت هذه التلاوة المباركة على أجواء الاحتفالية مسحة من الخشوع والسكينة والطمأنينة، وهيّأت الحاضرين لاستقبال فقرات البرنامج في مناخ روحاني ينسجم مع طبيعة المناسبة ورسالتها العلمية والتربوية.
وجاء هذا الافتتاح القرآني ليؤكد المكانة المركزية التي يحتلها كتاب الله العزيز في رسالة جامع الزيتونة المعمور، باعتباره منطلقاً لطلب العلم وأساساً في بناء المعرفة وترسيخ القيم الإسلامية، فضلاً عن كونه رمزاً لاستمرار تقاليد التلاوة والحفظ والتعليم التي ارتبطت بهذا الصرح العلمي العريق عبر الأجيال.
وتولّى تقديم الحفل الشيخ محمد عياد بأسلوب توعوي محفّز، جمع فيه بين حسن التقديم والتوجيه التربوي، مستثمراً المعاني القرآنية في بث روح الأمل والعزيمة لدى طلبة العلم.
وفي تأمله للآيات المتلوّة، توقف عند قول الله تعالى:
وهي الآية التي تصوّر مشهداً من مشاهد الآخرة، حين يُساق المتقون إلى الجنة جماعات مكرّمة.
ومن هذا المعنى القرآني، استلهم الشيخ محمد عياد إشارة تربوية وروحية بليغة، مفادها أنّه كما يسوق الله سبحانه وتعالى عباده المتقين إلى جنّة الخلد في الآخرة، فإنّه ييسّر لعباده في الدنيا سُبل الهداية، ويقودهم إلى جنّة العلم الشرعي، حيث تنير المعرفة القلوب، وتزكّي النفوس، وتفتح أمام طالب العلم آفاق الفهم والبصيرة. وفي هذا التشبيه دعوة إلى اغتنام نعمة طلب العلم والاجتماع على الخير، والسير بثبات في طريق المعرفة والإيمان.
وقد أضفى هذا التأمل بعداً معنوياً على افتتاح العام الدراسي، إذ ذكّر بأن طريق العلم ليس مجرد تحصيل للمعلومات، وإنما هو مسار للتزكية وبناء الإنسان، تتكامل فيه المعرفة مع الإيمان، ويجتمع فيه الطلاب على الخير والتعاون والتنافس في الطاعات.
وهكذا جاء الاستهلال القرآني ليؤكد أن القرآن الكريم يظل المنطلق والأساس في مسيرة التعليم الزيتوني، وأن تدبّر آياته واستحضار هداياته يمثلان ركيزة أساسية في تكوين طالب العلم.
كلمات علمية وتوجيهية تبرز فضل العلم والعزيمة على التميز
تميّزت الاحتفالية بكلمات علمية وتربوية حملت رسائل ملهمة حول أهمية طلب العلم الشرعي، وقيمة الاجتهاد والمثابرة، ودور العزيمة والإرادة في بلوغ مراتب التميز، إلى جانب استحضار الإرث العلمي العريق لجامع الزيتونة المعمور ومكانة علمائه عبر الأجيال.
الأستاذة ماريا الكمنتر.. إرادة المرأة وتميّزها في طلب العلم الشرعي
ألقت الأستاذة ماريا الكمنتر كلمة متميزة سلّطت فيها الضوء على إرادة المرأة وشغفها بطلب العلم الشرعي، مؤكدة أهمية العزيمة والمثابرة في تحقيق التفوق والتميز في هذا المجال.
وأبرزت في مداخلتها أن المرأة قادرة على بلوغ مراتب متقدمة في التحصيل العلمي، متى توفرت لديها الإرادة الصادقة والرغبة في التعلم، وأن التميز في العلوم الشرعية ثمرة للجد والاجتهاد والمداومة على اكتساب المعرفة وتعميق الفهم.
كما تناولت أهمية حضور المرأة في ميادين العلم الشرعي، وما يمكن أن تضطلع به من دور في نشر المعرفة وترسيخ القيم الإسلامية، مشيرة إلى أن طلب العلم يفتح أمامها آفاقاً واسعة للعطاء والإسهام في خدمة المجتمع.
وقد حملت كلمتها رسالة تحفيزية، خاصة للطالبات، تدعو إلى الثقة بالقدرات العلمية، والتمسك بالطموح، وعدم التراجع أمام الصعوبات، بما يجعل من الإرادة والمثابرة طريقاً إلى النجاح والتميز في مسيرة التعليم الزيتوني.
الشيخ سامي الرصاع.. استحضار تاريخ المشايخ الزيتونيين وفضلهم
ومن جهته، ألقى الشيخ سامي الرصاع كلمة استحضر فيها تاريخ مشايخ الزيتونة وعلمائها، وما قدّموه من إسهامات جليلة في خدمة العلوم الإسلامية ونشر المعرفة وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية، مؤكداً أهمية الوفاء لجهود هؤلاء العلماء الذين أسهموا في بناء صرح علمي عريق امتد إشعاعه عبر الأجيال.
وقد أعادت هذه الكلمة إلى الأذهان المكانة العلمية والحضارية التي احتلها جامع الزيتونة المعمور عبر تاريخه، بوصفه منارة للعلم ومقصداً لطلبة المعرفة، ومؤسسة أسهم علماؤها في إثراء الحياة الفكرية والدينية والثقافية، وفي المحافظة على أصالة التعليم الزيتوني وخصوصيته العلمية والتربوية.
كما أبرز استحضار سير المشايخ الزيتونيين أهمية الاقتداء بأهل العلم، والاستفادة من تجاربهم في التحصيل والتعليم والتأليف، والمحافظة على ما تركوه من إرث معرفي وتربوي، باعتباره أمانة علمية تتوارثها الأجيال ومسؤولية مشتركة في صون الهوية العلمية والحضارية للزيتونة.
فالتاريخ العلمي للزيتونة ليس مجرد صفحات من الماضي، بل هو رصيد حضاري حيّ يستمد منه طلبة اليوم معاني الاجتهاد والإخلاص والمسؤولية، ويستلهمون منه العزيمة على مواصلة رسالة العلم ونقلها إلى الأجيال القادمة، بما يحفظ استمرارية هذا الإرث ويعزز حضور جامع الزيتونة المعمور في مسيرة العلم والمعرفة.
تكريم المتفوقين والخريجين.. لحظات اعتزاز تتوّج مسيرة الاجتهاد
شكّلت فقرة تكريم الطلبة المتفوقين وتسليم شهادات الأهلية والتحصيل للخريجين إحدى أبرز محطات الاحتفالية، لما حملته من مشاعر الفرح والاعتزاز، وما جسّدته من تقدير للجهود المبذولة في سبيل طلب العلم، وتشجيع للطلبة على مواصلة مسيرتهم العلمية بروح من الجدّ والمثابرة.
وقد تولّى فضيلة الشيخ الدكتور منير الكمنتر تكريم المتفوقين والخريجين، في لحظات احتُفي فيها بثمار المثابرة والتحصيل العلمي، وبما حققه الطلبة من نجاحات خلال مسيرتهم التعليمية، وسط أجواء من التقدير والاعتزاز بقيمة العلم وأهله.
وكان تسليم شهادات الأهلية والتحصيل مناسبة للاعتراف بجهود الخريجين، الذين اجتازوا مراحل من الدراسة والتكوين، وواصلوا تحصيلهم في العلوم الشرعية حتى بلغوا هذه المحطة المهمة من مسارهم العلمي، بما تمثله من تتويج للجهد والاجتهاد والالتزام.
وتكتسب هذه اللحظات قيمة خاصة بالنسبة إلى الطالب، إذ تمثل الشهادة ثمرة سنوات من التعلم والمراجعة والاجتهاد، كما تعكس ما بذله المشايخ والأساتذة من جهود في التأطير والتوجيه ونقل المعرفة، وما يجمعهم بطلبتهم من روابط علمية وتربوية تقوم على الاحترام والتقدير.
غير أن قيمة التكريم لا تقف عند حدود الاحتفاء بالنجاح، بل تتجاوز ذلك إلى التشجيع على مواصلة طلب العلم، واستحضار أن التخرج ليس نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة من المسؤولية العلمية والأخلاقية، تستدعي مواصلة البحث والتعلّم والإسهام في خدمة المعرفة والمجتمع.
تكريم حفظة القرآن الكريم بالسند المتصل.. شرف الحفظ وبركة التلقي
ومن أبرز المحطات الروحية التي شهدتها الاحتفالية، تكريم نخبة من الطلبة الذين أكرمهم الله تعالى بإتمام حفظ القرآن الكريم كاملاً بالسند المتصل، في مناسبة جمعت بين فرحة الإنجاز وشرف الانتساب إلى سلسلة التلقي القرآني التي حافظت على نقل كتاب الله جيلاً بعد جيل.
وقد تولّى الشيخ علي بو شلاغم تكريم تلامذته من حفظة كتاب الله، في لحظة متميزة جسّدت مكانة القرآن الكريم في نفوس طلبة العلم، وأبرزت قيمة الجهود التي تُبذل في سبيل حفظه وإتقان تلاوته، وما يتطلبه ذلك من صبر ومثابرة وملازمة لأهل العلم والإقراء.
ويمثّل السند المتصل جانباً أصيلاً من تقاليد التعليم القرآني، إذ يقوم على تلقي القرآن الكريم عن أهل الإقراء والضبط، وفق سلسلة من الرواية والتعلّم تتصل عبر الأجيال، بما يعكس عناية الأمة الإسلامية بالمحافظة على كتاب الله وضبط تلاوته وتعليمه.
ولا يقتصر هذا التكريم على الاحتفاء بإتمام الحفظ، بل يحمل كذلك رسالة تشجيع على مواصلة المراجعة والإتقان والتدبّر، والعمل بما جاء في القرآن الكريم من هدايات وقيم، حتى يكون الحفظ منطلقاً لمسيرة متواصلة من العلم والتزكية وحسن الخلق.
